رئيس النيجر في الجزائر: الأمن والاقتصاد وأزمات الساحل على طاولة الرئيسين

شهدت الجزائر العاصمة، اليوم الأحد، وصول رئيس جمهورية النيجر الفريق عبد الرحمن تياني في زيارة رسمية تستمر يومين، بدعوة من الرئيس عبد المجيد تبون، في خطوة تعكس تحوّلاً لافتاً في مسار العلاقات بين البلدين بعد أشهر من الفتور الدبلوماسي.

وتحمل الزيارة أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية، إذ يُنتظر أن تتوج بتوقيع اتفاقيات تعاون ثنائي وعقد مشاورات موسّعة حول قضايا إقليمية ملحّة، بما يطوي عملياً صفحة أزمة دامت قرابة عام بين الجزائر ونيامي.

### من التوتر إلى استعادة الثقة

كانت العلاقات بين البلدين قد دخلت مرحلة من التوتر منذ ربيع 2025، على خلفية حادثة إسقاط الجيش الجزائري لطائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي داخل الأجواء الجزائرية، وهو ما دفع النيجر إلى إعلان تضامنها مع مالي في إطار تحالف دول الساحل، لتتصاعد الأزمة إلى مستوى سحب السفراء بشكل متبادل.

غير أن مسار التهدئة بدأ يتشكل تدريجياً خلال الأشهر الماضية، عبر قنوات سياسية ودبلوماسية متدرجة. وشكّلت زيارة وزير الدولة الجزائري وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب إلى نيامي في جانفي الماضي محطة أساسية في إعادة فتح قنوات التواصل، تلتها خطوة رمزية مهمة تمثلت في إعلان عودة السفيرين إلى مقري عملهما قبل أيام قليلة فقط من هذه الزيارة.

كما كان الرئيس تبون قد أعلن توجيه دعوة رسمية إلى نظيره النيجري، معبّراً عن أمله في تجاوز المرحلة السابقة وبناء تعاون متجدد يخدم مصالح الشعبين.

### الأمن أولاً: تحديات الساحل

يتصدر الملف الأمني جدول المباحثات، في ظل أوضاع متقلبة تشهدها منطقة الساحل الإفريقي. فالتحديات المرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة، وتهريب الأسلحة والمخدرات، وتنامي الهجرة غير النظامية، تجعل من التنسيق الأمني بين الجزائر والنيجر ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً.

الجزائر، التي تمتد حدودها الجنوبية على مسافات شاسعة مع النيجر ومالي وليبيا، تعتبر استقرار الساحل جزءاً من أمنها القومي. وهي تدفع منذ سنوات باتجاه مقاربة شاملة تربط بين محاربة الإرهاب ودعم التنمية المحلية، رافضة الاقتصار على الحلول العسكرية الصرفة.

كما يشكّل ملف الهجرة غير الشرعية محوراً حساساً في العلاقة بين البلدين، بالنظر إلى موقع النيجر كممر رئيسي لموجات الهجرة القادمة من غرب إفريقيا نحو الشمال، ما يفرض تنسيقاً متواصلاً لإدارة هذا الملف المعقد.

### أبعاد جيوسياسية جديدة

تأتي الزيارة أيضاً في سياق إعادة رسم التوازنات الإقليمية. فالنيجر، بعد تحولات سياستها الخارجية منذ وصول تياني إلى السلطة، ابتعدت عن شركائها الغربيين التقليديين وانخرطت في تحالف دول الساحل، ما غيّر ملامح المشهد الجيوسياسي في المنطقة.

وفي هذا الإطار، يمثل التقارب مع الجزائر خطوة لإعادة صياغة شراكات إقليمية قائمة على التعاون جنوب–جنوب، بعيداً عن الاستقطابات الدولية.

أما الجزائر، فتعزز عبر هذه الديناميكية موقعها كفاعل إقليمي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار والحوار، وتأكيد دورها كحلقة وصل بين شمال إفريقيا وعمقها الساحلي.

### الاقتصاد والطاقة في صلب النقاش

لا تقتصر المباحثات على الجوانب السياسية والأمنية، بل تشمل ملفات اقتصادية محورية، في مقدمتها التعاون في مجال الطاقة. فالنيجر تواجه تحديات في التموين الطاقوي، ما يفتح المجال أمام تعزيز الشراكات مع الجزائر في مجالات المحروقات والكهرباء.


ويبرز في هذا السياق مشروع خط الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر، باعتباره مشروعاً استراتيجياً يمكن أن يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة الإفريقية نحو القارة الأوروبية.

كما يُرتقب بحث سبل تطوير البنية التحتية في المناطق الحدودية، وتنشيط المبادلات التجارية، وتعزيز الربط الكهربائي، بما يكرّس أسس شراكة تنموية طويلة المدى.

### رهانات المرحلة المقبلة

يرى متابعون أن نجاح هذه الزيارة في إرساء تفاهمات واضحة قد يمهد لتوسيع التعاون ليشمل دولاً أخرى في الساحل، خاصة في ظل الحاجة إلى أطر إقليمية أكثر تماسكاً.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة الإرادة السياسية إلى مشاريع عملية وآليات تنفيذ قابلة للقياس، تضمن استدامة التقارب وتحصّنه من تقلبات الظرف الإقليمي.

في المحصلة، تمثل زيارة الرئيس تياني إلى الجزائر أكثر من مجرد لقاء بروتوكولي؛ إنها مؤشر على عودة الدفء إلى علاقة استراتيجية، ورسالة مفادها أن منطق الجوار والمصالح المشتركة قادر على تجاوز الأزمات عندما تتوافر الإرادة السياسية.

المصدر : الجزائر الآن

 

أحدث أقدم