“لا تجعلونا نندم”.. تحذير جزائري أخير قبل القطيعة الدبلوماسية


في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، بعثت الجزائر بإشارتين دبلوماسيتين بالغتي الوضوح إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، عكستا حجم التدهور غير المسبوق في العلاقات بين البلدين. الإشارة الأولى جاءت عبر قرار سيادي ثقيل الوزن تمثل في إلغاء اتفاقية النقل الجوي، بما يعني عمليًا إغلاق الأجواء الجزائرية أمام الطيران الإماراتي. أما الإشارة الثانية فكانت أكثر صراحة وحدّة، وصدرت مباشرة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي لم يُخفِ خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الوطنية استعداد الجزائر للذهاب إلى خطوات أشد.

والخطوة الأشد التي ألمح إليها الرئيس لا تحتاج إلى كثير من التخمين؛ فهي قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، وهو خيار بات مطروحًا بجدية في ظل ما تعتبره الجزائر مساسًا مباشرًا بسيادتها وأمنها القومي.

ما يجري اليوم يتجاوز بكثير إطار الخلافات الدبلوماسية التقليدية التي يمكن احتواؤها عبر بيانات التهدئة أو الوساطات الخلفية. نحن أمام أزمة عميقة الجذور، نتجت عن تراكم طويل لخلافات استراتيجية امتدت من ليبيا إلى الساحل الإفريقي، ومن السودان إلى القضية الفلسطينية، وصولًا إلى اتهامات خطيرة تتعلق بالتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، سواء عبر محاولات التأثير على المسار الانتخابي أو دعم حركات انفصالية.

قرار سيادي برسائل متعددة

إلغاء اتفاقية النقل الجوي لم يكن إجراءً تقنيًا أو إداريًا عابرًا، بل قرارًا سياديًا ذا أبعاد سياسية واضحة. فإغلاق المجال الجوي في العلاقات الدولية يُعد من أقسى أدوات الضغط الدبلوماسي، ولا تلجأ إليه الدول عادة إلا عندما تصل العلاقات إلى مستوى بالغ الحساسية.

وتزداد دلالة القرار حين يصدر عن الجزائر، المعروفة تاريخيًا بدبلوماسيتها المتزنة وتفضيلها الحلول الهادئة. ما يعني أن القطيعة الجوية لم تكن رد فعل لحظي، بل نتيجة قناعة راسخة بأن الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها، وأن الاستمرار في العلاقات الطبيعية لم يعد ممكنًا.

الرسالة الجزائرية هنا واضحة: السيادة الوطنية غير قابلة للمساومة، وأي تدخل خارجي يُقابل بإجراءات حازمة consider كل الأدوات المتاحة.

خطاب رئاسي غير مسبوق

التصريحات التي أدلى بها الرئيس عبد المجيد تبون جاءت لتؤكد أن قرار إغلاق الأجواء ليس سوى حلقة في سلسلة تصعيد مدروس. فالرئيس، المعروف عادة بلغة متزنة، استخدم توصيفات غير مسبوقة حين تحدث عن دولة وصفها بـ"الدويلة"، في إشارة واضحة إلى الإمارات، منتزعًا عنها أي وزن سياسي في نظر الجزائر.

الأخطر في الخطاب الرئاسي لم يكن الوصف بحد ذاته، بل الاتهام المباشر بمحاولات التدخل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية، وهو اتهام يمس جوهر السيادة الوطنية ويُعد خرقًا فاضحًا لأبسط قواعد القانون الدولي.

وحين أشار الرئيس إلى تهديدات إماراتية باللجوء إلى التحكيم الدولي لإلحاق ضرر اقتصادي بالجزائر، جاء ردّه حاسمًا: الجزائر لا تخضع للابتزاز، ولا تخشى الضغوط، ومستعدة لتحمل أي كلفة في سبيل الحفاظ على استقلال قرارها.

ليبيا والساحل… صراع الرؤى

الملف الليبي يُعد من أبرز نقاط الصدام بين البلدين. فالجزائر تتمسك بحل سياسي شامل يحفظ وحدة ليبيا، بينما تتهم أبوظبي بدعم خيار الحسم العسكري عبر دعم طرف بعينه، ما ترى فيه الجزائر تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.

وقد بلغ هذا الخلاف ذروته عندما عارضت الإمارات تعيين الدبلوماسي الجزائري صبري بوقادوم مبعوثًا أمميًا إلى ليبيا، في خطوة فسّرتها الجزائر على أنها محاولة لإقصائها عن لعب دور إقليمي فاعل.

وفي منطقة الساحل، تتهم الجزائر الإمارات باستخدام المال السياسي لتغذية النزاعات، خصوصًا في شمال مالي، بما يهدد الأمن الإقليمي ويقوّض جهود الوساطة التي تقودها الجزائر منذ سنوات.

السودان وغزة… خلاف القيم قبل المصالح

الملف السوداني زاد من تعقيد المشهد، حيث تتهم تقارير دولية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، في مقابل موقف جزائري ثابت يدعو إلى وقف الحرب ورفض الحلول العسكرية.

أما في القضية الفلسطينية، فالفجوة بين البلدين تبدو أوسع من أي وقت مضى. الجزائر ترى في التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني خيانة لمبادئ الأمة، خاصة في ظل حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، والتي كشفت – من وجهة نظر الجزائر – إفلاس رهانات التطبيع سياسيًا وأخلاقيًا.

القبائل… الخط الأحمر

أكثر الملفات حساسية بالنسبة للجزائر هو ما تعتبره دعمًا إماراتيًا لحركة انفصالية في منطقة القبائل. وهو أمر تصفه الجزائر بأنه عدوان مباشر على وحدة أراضيها، وخط أحمر لا يمكن التساهل معه تحت أي ظرف.

تصريحات الرئيس تبون في هذا السياق جاءت واضحة: هذه الحركات لا تملك أي امتداد شعبي، وأي محاولة لإحيائها بالمال الخارجي هي عبث سياسي لن يغيّر من الواقع شيئًا.

إلى أين تتجه الأزمة؟

كل المؤشرات توحي بأن العلاقات الجزائرية الإماراتية وصلت إلى مفترق طرق حاسم. فإما مراجعة شاملة للسياسات، أو الذهاب نحو قطيعة كاملة قد تعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية.

ما هو مؤكد حتى الآن، أن الجزائر قررت رفع سقف المواجهة، وأنها لم تعد مستعدة لغض الطرف عن أي مساس بسيادتها، مهما كان الثمن.



أحدث أقدم