مرصاد 24
×
| | 🌤️ ...

الملك هونريك.. حاكم الوندال الذي اضطهد الجزائريين وقطع ألسنتهم وصادر أراضيهم

الملك هونريك.. حاكم الوندال الذي اضطهد مسيحيي شمال إفريقيا وقطع ألسنتهم وأيديهم

في القرن الخامس الميلادي، دخلت أجزاء واسعة من شمال إفريقيا مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والديني مع صعود مملكة الوندال وسيطرتها على قرطاج ومدن ومناطق واسعة من إفريقيا الرومانية، وهي أراضٍ تقع أجزاء كبيرة منها اليوم داخل الجزائر وتونس وليبيا.

وفي قلب هذه المرحلة برز اسم هونريك (Huneric)، الذي تولى حكم مملكة الوندال بين عامي 477 و484م، وأصبح عهده واحدًا من أكثر الفترات قسوة في تاريخ الصراع الديني بشمال إفريقيا، خصوصًا بعد اشتداد المواجهة بين أتباع العقيدة النيقية والكنيسة الآريوسية التي اعتنقها ملوك الوندال.

هونريك.. من التسامح الأول إلى الاضطهاد

تذكر المصادر التاريخية أن سياسة هونريك تجاه المسيحيين لم تكن ثابتة طوال فترة حكمه، إذ بدأ عهده بدرجة من التسامح، قبل أن يتحول لاحقًا إلى سياسة أكثر تشددًا، خصوصًا منذ عام 482م.

وتصف مصادر كنسية معاصرة تقريبًا تلك المرحلة باعتبارها فترة اضطهاد واسعة للكنيسة النيقية في إفريقيا. ويبرز من بين أهم المصادر فيكتور دي فيتا، الأسقف والمؤرخ الإفريقي الذي عاصر الأحداث وكتب تاريخ الاضطهاد في عهد الوندال.

لم يكن الصراع مجرد خلاف عقائدي داخل الكنيسة، بل تحول إلى أداة للضغط السياسي، حيث تعرض أساقفة ورجال دين ومؤمنون للنفي والعقوبات والإقصاء، في محاولة لإجبارهم على قبول المذهب الذي دعمته السلطة الوندالية.

تيبازة.. المدينة التي رفض أهلها التخلي عن عقيدتهم

كانت تيبازة، الواقعة على الساحل الجزائري اليوم، من المدن التي شهدت مواجهة مباشرة مع سياسة هونريك الدينية.

وتشير المصادر إلى أن الأسقف ريباراتوس (Reparatus) نُفي سنة 484م، وأن السلطة الوندالية حاولت استبداله برجل مرتبط بالتيار الآريوسي. وأدى ذلك إلى مغادرة عدد كبير من سكان المدينة إلى إسبانيا، بينما بقي آخرون ورفضوا التخلي عن عقيدتهم.

تيبازة تحولت في الذاكرة المسيحية إلى رمز للثبات أمام الاضطهاد، بعد رفض عدد من سكانها التخلي عن معتقدهم رغم العقوبات والنفي.

قطع الأيدي والألسنة في ساحة تيبازة

بحسب رواية فيكتور دي فيتا، فإن الذين بقوا في تيبازة ورفضوا اعتناق الآريوسية تعرضوا لعقوبة شديدة القسوة؛ إذ تذكر الرواية أن أيديهم اليمنى وألسنتهم قُطعت.

لم تكن العقوبة مجرد إيلام جسدي، بل كانت تحمل معنى رمزيًا واضحًا: اليد التي تعمل وتكتب وتمارس الشعائر، واللسان الذي يتحدث ويعلن العقيدة، كلاهما أصبحا هدفًا للعقاب.

وتذكر الرواية أن الضحايا، رغم تعرضهم لهذه العقوبة، واصلوا الكلام بصورة أثارت دهشة معاصريهم، وهو ما تحول في الأدبيات المسيحية إلى قصة معجزة دينية. وتذكر المصادر الكنسية أن فيكتور دي فيتا قال إنه شاهد بعض هؤلاء الأشخاص لاحقًا في القسطنطينية.

وهنا يجب التمييز بين الحدث التاريخي والتفسير الديني له: فوجود اضطهاد وعمليات نفي وعقوبات ضد المسيحيين في عهد هونريك موثق في المصادر، أما استمرار الكلام بعد قطع اللسان فهو جزء من الرواية المعجزية التي نقلتها المصادر المسيحية القديمة.

لم يكن القمع دينيًا فقط

لم تتوقف سياسة الوندال عند الصراع العقائدي.

فقد ارتبط حكم الوندال في شمال إفريقيا أيضًا بإعادة توزيع للثروة والأراضي، خصوصًا في عهد الملك جنسريق (Geiseric)، والد هونريك، الذي سبقت فترة حكمه مرحلة من مصادرة ممتلكات واسعة وتوزيعها على الوندال.

ويذكر المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس أن جنسريق صادر أراضي كثيرة من السكان المحليين ووزعها على الوندال، حتى ارتبطت بعض تلك الأراضي في الذاكرة التاريخية بتسمية «أراضي الوندال». كما يذكر أن بعض الشخصيات الثرية وأصحاب المكانة جُرّدوا من ممتلكاتهم.

أما في عهد هونريك، فقد كان القمع الديني أكثر وضوحًا، إذ تعرض عدد كبير من الأساقفة للنفي؛ وتذكر المصادر الكنسية أن عشرات الأساقفة نُفوا إلى أماكن مختلفة، بينما أُرسل مئات آخرون إلى مناطق صحراوية قاسية في إفريقيا.

من الجزائر اليوم.. إلى القسطنطينية

لم تكن تيبازة وحدها.

فقد شهدت مدن أخرى في المناطق التي تقع اليوم داخل الجزائر إجراءات ضد رجال الدين النيقية. وتذكر المصادر، على سبيل المثال، أن أسقف بوماريا، وهي منطقة تقع قرب تلمسان الحالية، استُدعي إلى قرطاج سنة 484م ثم نُفي. كما تعرض أساقفة مدن أخرى في موريطانيا القيصرية للنفي في عهد هونريك.

وتكشف هذه الوقائع أن سياسة هونريك لم تكن حادثة محلية تخص مدينة واحدة، بل جاءت ضمن صراع أوسع على السلطة الدينية والسياسية في شمال إفريقيا.

طمس العقيدة أم طمس الهوية؟

كان الصراع في ذلك العصر مختلفًا عن مفهوم الهوية الوطنية الحديثة، ولذلك لا يمكن القول إن هونريك كان يحارب «الهوية الجزائرية» بالمفهوم المعاصر.

لكن يمكن القول إن سلطته حاولت فرض هوية دينية وسياسية جديدة على السكان المسيحيين المحليين، وإخضاع المؤسسات الدينية لسلطة الدولة الوندالية.

وهنا تكمن أهمية القصة بالنسبة إلى تاريخ الجزائر القديم: فالمدن التي نعرفها اليوم بأسمائها الجزائرية الحديثة كانت آنذاك جزءًا من عالم إفريقي روماني ومسيحي قديم، وكانت لها كنائس وأساقفة ومجتمعات محلية وشبكات دينية واسعة.

وقد كشفت سياسة هونريك عن الصراع بين سلطة وافدة تحاول تثبيت نفوذها وبين مجتمعات محلية متمسكة بتقاليدها الدينية.

هونريك في ذاكرة التاريخ

لم يستمر حكم هونريك طويلًا؛ فقد توفي سنة 484م، وخلفه ابن عمه غونتاموند، الذي اتخذ سياسة أكثر تسامحًا تجاه المسيحيين النيقية وأتاح عودة بعض المنفيين وإعادة فتح الكنائس.

لكن السنوات الأخيرة من حكم هونريك بقيت حاضرة في الذاكرة المسيحية باعتبارها فترة اضطهاد شديدة.

وتأتي قصة تيبازة في مقدمة هذه الروايات، لأنها تجمع بين النفي والقمع الجسدي والصراع العقائدي، ثم تحولت لاحقًا إلى رمز ديني للثبات أمام الاضطهاد.

تيبازة.. ذاكرة مدينة قاومت

بعد مرور أكثر من خمسة عشر قرنًا، تبدو أطلال تيبازة اليوم شاهدة على تعاقب إمبراطوريات وسلطات متعددة فوق أرض شمال إفريقيا.

لكن قصة مسيحيي تيبازة تكشف جانبًا آخر من تاريخ المنطقة: تاريخ الصراعات الدينية والسياسية التي عرفتها المدن الجزائرية القديمة، وتاريخ السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام سلطة تطالبهم بتغيير عقيدتهم مقابل السلام والأمان.

ومن هنا بقي اسم هونريك مرتبطًا في المصادر المسيحية بواحدة من أشهر موجات الاضطهاد الوندالي في شمال إفريقيا، بينما بقيت تيبازة رمزًا في الذاكرة الكنسية لمجموعة من السكان الذين رفضوا التخلي عن معتقدهم، حتى تعرض بعضهم لأقسى العقوبات.

وبينما لا يمكن إسقاط مفهوم «الجزائريين» الحديث بصورة مباشرة على سكان شمال إفريقيا في القرن الخامس، فإن هذه الأحداث تبقى جزءًا من التاريخ القديم للأرض التي تشكل الجزائر اليوم، وتكشف أن المنطقة كانت مسرحًا لصراعات دينية وسياسية كبرى قبل ظهور الدولة الجزائرية الحديثة بقرون طويلة.

المصادر

  • فيكتور دي فيتا، تاريخ اضطهاد مقاطعة إفريقيا في عهد الوندال.
  • المصادر التاريخية المتعلقة بتيبازة والكنيسة الإفريقية في القرن الخامس.
  • بروكوبيوس القيصري، حروب الوندال.
  • المصادر الكنسية اللاحقة التي أعادت نقل قصة مسيحيي تيبازة.
أحدث أقدم
💡
هل تواجه مشكلة في قراءة المقال؟ إذا ظهر النص أو الخط بشكل غير واضح، جرّب تغيير الوضع الليلي 🌙 إلى الوضع النهاري ☀️.