من أحمد زويل إلى إلياس زرهوني.. علماء عرب أسهموا في تطوير العلوم والتكنولوجيا في أمريكا
من أحمد زويل الذي كشف أسرار التفاعلات الكيميائية فائقة السرعة، إلى إلياس زرهوني الذي أسهم في تطوير تقنيات التصوير الطبي، وتشارلز العشي الذي ارتبطت مسيرته باستكشاف الكواكب، ترك علماء عرب بصمات واضحة في مسيرة البحث العلمي بالولايات المتحدة. ورغم صعوبة تحديد عددهم الإجمالي، فإن إنجازاتهم تقدم صورة عن دور الكفاءات العربية في تطوير المعرفة والتكنولوجيا وخدمة البشرية.
لم تعد مساهمة العلماء العرب في الولايات المتحدة مجرد قصة هجرة بحثاً عن فرص أفضل، بل أصبحت جزءاً من تاريخ العلوم الحديثة. ففي الجامعات والمختبرات الطبية ومراكز أبحاث الفضاء، شارك علماء من أصول عربية في تطوير معارف وتقنيات امتدت آثارها إلى مجالات الطب والصناعة والطاقة واستكشاف الكون.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كم يبلغ عدد هؤلاء العلماء؟ وما الذي قدموه فعلياً للولايات المتحدة والعالم؟ وهل يمكن قياس إسهاماتهم بعدد الاختراعات وحده، أم أن تأثيرهم يتجاوز ذلك إلى تطوير المناهج العلمية وتدريب الباحثين وقيادة المؤسسات البحثية؟
ملايين الأمريكيين من أصول عربية.. وغياب إحصاء دقيق للعلماء
يقدّر معهد الأمريكيين العرب عدد الأمريكيين ذوي الأصول العربية بنحو 3.7 مليون شخص، وفق تقديراته التي تأخذ في الاعتبار أوجه القصور في إحصاءات التعداد السكاني الأمريكي. غير أن هذا الرقم يشمل مختلف المهن والفئات العمرية، ولا يمثل عدد العلماء أو الباحثين. كما أن الإحصاءات الأمريكية لا توفر رقماً شاملاً متفقاً عليه للعلماء العرب العاملين في البلاد.
للاطلاع على المصدر: معهد الأمريكيين العرب.
وتتوزع الكفاءات المنحدرة من البلدان العربية على تخصصات متعددة، من الطب والهندسة والكيمياء إلى علوم الحاسوب والفضاء والرياضيات. وبينما يحمل بعضهم الجنسية الأمريكية، يعمل آخرون في الولايات المتحدة بصفات أكاديمية أو بحثية مختلفة، ما يجعل تحديد العدد الإجمالي مهمة تحتاج إلى قاعدة بيانات متخصصة.
أحمد زويل.. حين أصبحت التفاعلات الكيميائية قابلة للرصد
يبرز العالم المصري أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، بوصفه أحد الأسماء العربية التي تركت أثراً بارزاً في تاريخ العلوم الحديثة.
عمل زويل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، حيث طوّر أساليب تعتمد على نبضات الليزر فائقة القصر لدراسة المراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية على مقياس الفيمتوثانية، أي جزء من مليون مليار جزء من الثانية.
وقد ساعد هذا الإنجاز على توسيع فهم العلماء للعمليات الكيميائية الأساسية، وفتح آفاق جديدة للأبحاث في الكيمياء والفيزياء والعلوم المرتبطة بهما.
المصدر: مؤسسة جائزة نوبل.
إلياس زرهوني.. كفاءة جزائرية في قيادة البحث الطبي الأمريكي
من الجزائر إلى الولايات المتحدة، استطاع الطبيب والعالم إلياس زرهوني بناء مسيرة علمية في مجال الأشعة والتصوير الطبي، قبل أن يتولى إدارة المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (NIH) بين عامي 2002 و2008.
ارتبطت أبحاثه بتطوير أساليب التصوير الطبي، خصوصاً التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي، بما يساعد على تشخيص الأمراض وفهم وظائف الجسم بصورة أكثر دقة.
ومن بين إسهاماته تطوير تقنيات تتيح دراسة حركة القلب باستخدام الرنين المغناطيسي، وتحسين وسائل التمييز بين العقيدات الرئوية الحميدة والسرطانية باستخدام التصوير المقطعي.
ووفق السيرة الرسمية المنشورة لدى المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة، كان زرهوني قد ألّف 212 منشوراً علمياً وامتلك ثماني براءات اختراع عند مغادرته منصبه عام 2008.
ولا تقتصر أهمية تجربته على الأبحاث الطبية؛ فقد تولّى أيضاً مسؤولية قيادة إحدى أبرز المؤسسات الأمريكية الممولة والمنظمة للأبحاث الصحية، في موقع يؤثر في أولويات البحث العلمي على نطاق واسع.
المصدر: المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة.
تشارلز العشي.. بصمة لبنانية في استكشاف الفضاء
يُعد العالم اللبناني المولد تشارلز العشي من الأسماء المرتبطة بتطوير أبحاث الفضاء والاستشعار عن بُعد في الولايات المتحدة.
تولى العشي إدارة مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا بين عامي 2001 و2016، وهي فترة شارك خلالها المختبر في أكثر من عشرين مهمة فضائية، وفق السيرة الرسمية لناسا.
وشملت هذه المهمات مشاريع لدراسة الأرض والكواكب والأقمار، كما شهدت وصول مركبات جوالة إلى سطح المريخ، من بينها «سبيريت» و«أوبورتيونيتي» و«كيوريوسيتي».
وتساعد تقنيات الرادار والاستشعار عن بُعد التي ارتبطت بمجال عمله على جمع معلومات عن تضاريس الكواكب وخصائص سطح الأرض، بما يخدم علوم الفضاء والجيولوجيا ومراقبة البيئة.
المصدر: مختبر الدفع النفاث التابع لناسا.
فاروق الباز.. من دراسة القمر إلى فهم الأرض
شارك العالم المصري فاروق الباز في برنامج أبولو الأمريكي لاستكشاف القمر، وأسهم في دراسة جيولوجيا القمر وتدريب رواد الفضاء على الملاحظات الجيولوجية والتصوير خلال الرحلات القمرية.
وتكتسب هذه الأعمال أهمية خاصة لأنها ساعدت في تعزيز الفهم العلمي لتضاريس القمر وتاريخه الجيولوجي، ضمن جهود جماعية شارك فيها علماء ومهندسون ورواد فضاء.
كما ارتبطت مسيرته اللاحقة بأبحاث الاستشعار عن بُعد، وهي تقنيات تُستخدم في دراسة الأراضي والموارد الطبيعية والتغيرات البيئية.
وتقدم تجربته مثالاً على انتقال الخبرة العلمية بين مجالات مختلفة، من استكشاف الفضاء إلى دراسة كوكب الأرض وموارده.
عمر ياغي.. مواد متقدمة قد تساعد في مواجهة تحديات المياه والطاقة
يمثل الكيميائي الأردني عمر ياغي نموذجاً للعلماء الذين أسهموا في تطوير مجالات بحثية جديدة داخل المؤسسات الأكاديمية الأمريكية.
ارتبط اسمه بتطوير الكيمياء الشبكية والأطر المعدنية العضوية، المعروفة اختصاراً باسم MOFs، وهي مواد ذات بنية مسامية يمكن تصميمها لاحتجاز جزيئات معينة أو فصلها عن غيرها.
وتجذب هذه المواد اهتمام الباحثين بسبب إمكان استخدامها في تطبيقات تشمل فصل الغازات وتخزينها، واحتجاز ثاني أكسيد الكربون، وتطوير أساليب لجمع المياه من الهواء.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه المواد لا تعني أن جميع تطبيقاتها أصبحت حلولاً تجارية واسعة الانتشار؛ فبعضها ما يزال مجالاً للأبحاث والتطوير وتحسين الكفاءة والتكلفة.
وتكشف هذه التجربة عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الأبحاث الأساسية في تطوير تقنيات قد تصبح ذات أهمية بيئية وصناعية في المستقبل.
مايكل ديباكي.. مساهمات في تطور جراحة القلب
ومن الأسماء التاريخية البارزة الطبيب الأمريكي مايكل ديباكي، المنحدر من أصول لبنانية، والذي أسهم في تطور جراحة القلب والأوعية الدموية.
ارتبطت مسيرته بتطوير تقنيات جراحية وأجهزة طبية، من بينها مضخة الأسطوانة التي أصبحت مكوناً أساسياً في أجهزة القلب والرئة المستخدمة خلال بعض العمليات الجراحية.
وتساعد هذه الأجهزة على المحافظة على تدفق الدم وأكسجته عندما تتطلب العملية إيقاف القلب مؤقتاً أو تجاوز وظائفه الطبيعية خلال الجراحة.
كما أسهم ديباكي في تطوير جراحات الأوعية الدموية، وأعمال البحث والتدريب الطبي التي أثرت في أجيال من الجراحين.
وتوضح مسيرته كيف يمكن للابتكار الطبي أن يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة الجراحية والتطوير الهندسي، بما ينعكس على وسائل العلاج المتاحة للمرضى.
إلياس جيمس خوري.. منهجيات جديدة في تصنيع الجزيئات
حصل الكيميائي الأمريكي إلياس جيمس خوري، المنحدر من أصول لبنانية، على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1990 تقديراً لتطويره نظريات ومنهجيات في التخليق العضوي.
ويُقصد بالتخليق العضوي بناء جزيئات كيميائية معقدة من مركبات أبسط، وفق خطوات مدروسة تسمح بالوصول إلى بنية محددة.
وتفيد هذه المنهجيات في الأبحاث الكيميائية والدوائية، إذ تساعد العلماء على التخطيط لمسارات تصنيع المركبات وفهم التفاعلات اللازمة لإنتاجها.
ولا يعني ذلك أن جميع الأدوية الحديثة نتاج عمله مباشرة، بل إن إسهامه يكمن في تطوير أدوات ومناهج علمية يستخدمها الباحثون في دراسة المركبات وتصنيعها.
كيف استفادت الولايات المتحدة والعالم من هذه الإسهامات؟
تظهر هذه النماذج أن أثر العلماء العرب في الولايات المتحدة يتخذ أشكالاً متعددة، ولا يقتصر على اكتشاف واحد أو اختراع منفرد، بل يمتد إلى تطوير أدوات البحث وتدريب الكفاءات وقيادة المؤسسات العلمية.
في الطب: تطوير أساليب التصوير والتشخيص، وتحسين الأدوات الجراحية، وتوسيع إمكانات البحث الطبي.
في الكيمياء: ابتكار منهجيات تسمح بفهم التفاعلات الجزيئية وتصميم مواد ومركبات جديدة.
في الفضاء: تطوير وسائل الاستشعار عن بُعد والمشاركة في المهمات التي تجمع بيانات عن الأرض والكواكب.
في الطاقة والبيئة: استكشاف مواد قد تساعد على فصل الغازات واحتجاز الكربون وجمع المياه.
في التعليم والبحث: تدريب الباحثين وقيادة المختبرات والجامعات والمؤسسات التي تمول وتنسق المشاريع العلمية.
لكن من الضروري التمييز بين اكتشاف علمي موثق، واختراع مسجل ببراءة، وتطبيق تجاري واسع الانتشار. فهذه مستويات مختلفة من الإنجاز، ولا يجوز اعتبار كل بحث علمي اختراعاً تجارياً أو نسبة تطور تقنية كاملة إلى عالم واحد.
الخلاصة.. الإنجاز العلمي لا تحده الحدود
تكشف مسيرات أحمد زويل وإلياس زرهوني وتشارلز العشي وفاروق الباز وعمر ياغي ومايكل ديباكي وإلياس جيمس خوري عن تنوع المجالات التي شارك فيها علماء من أصول عربية في تطوير البحث العلمي بالولايات المتحدة.
وتؤكد هذه النماذج أن أثر العالم لا يُقاس بمكان ولادته أو بجنسيته وحدهما، بل بما يقدمه من معرفة واكتشافات وأدوات وتدريب للأجيال الجديدة.
أما السؤال عن العدد الإجمالي للعلماء العرب في أمريكا، فيبقى مفتوحاً أمام دراسة إحصائية أوسع، لا تكتفي بالأسماء الأشهر، بل تشمل أيضاً آلاف الباحثين الذين يعملون في المختبرات والجامعات والشركات، وقد تكون إسهاماتهم أقل ظهوراً في الإعلام، لكنها جزء من التقدم العلمي المشترك.
