قسنطينة بين الرواية الاستعمارية والتاريخ النوميدي.. ماذا كتب الرحّالة البلجيكي عن مدينة ماسينيسا؟
شهادة من القرن التاسع عشر تعيد فتح النقاش حول تاريخ سيرتا القديمة، وعلاقتها بملوك نوميديا، والروايات الأوروبية التي تناولت نشأة مدينة قسنطينة.
تُثير صفحة قديمة من كتاب «الصحراء الجزائرية» للكاتب والرحّالة البلجيكي أوجين غوبليه دالفييلا (Eugène Goblet d’Alviella)، الصادر سنة 1899، اهتمامًا تاريخيًا لافتًا، بعدما تناول فيها مدينة قسنطينة وعلاقتها بملوك نوميديا، وفي مقدمتهم ماسينيسا ويوغرطة.
وفي المقطع الذي يحمل عنوان «فم الصحراء» (La Bouche du Désert)، يصف الكاتب قسنطينة بأنها مدينة حصينة قائمة فوق المرتفعات، ويربطها بالماضي النوميدي، مستحضرًا الملكين اللذين ارتبط اسماهما بتاريخ المنطقة قبل قرون طويلة من صدور كتابه.
ماذا يقول النص الفرنسي الأصلي؟
جاء في الصفحة التي تداولها المهتمون بالتاريخ، ضمن وصف قسنطينة:
«Constantine, nid d’aigle bâti par les Arabes là où les puissants rois numides Masinissa et Jugurtha avaient jadis leur aire.»
«قسنطينة، عشّ نسر شُيّد على يد العرب في الموضع الذي كان فيه الملوك النوميديون الأقوياء، ماسينيسا ويوغرطة، يتخذون مقامهم في الماضي».
وتكشف هذه العبارة عن الطريقة التي ربط بها الكاتب بين المدينة في عصره وبين ماضيها النوميدي، كما تثير تساؤلات حول تصويره لنشأة قسنطينة وعلاقتها بالحضارات التي تعاقبت على المنطقة، بما فيها الحضارة الفينيقية والوجود العربي في مراحل تاريخية لاحقة.
سيرتا.. عاصمة نوميديا قبل ظهور قسنطينة باسمها الحالي
تُعرف قسنطينة في المصادر القديمة باسم سيرتا (Cirta)، وكانت مدينة ذات أهمية سياسية واستراتيجية في شمال إفريقيا القديم.
وتشير المراجع التاريخية إلى أن سيرتا كانت عاصمة للملك سيفاكس، ثم أصبحت عاصمة لمملكة ماسينيسا النوميدية، ومركزًا سياسيًا مهمًا في المملكة التي وحّدها هذا الملك في القرن الثاني قبل الميلاد.
كما ارتبطت المدينة بأحداث بارزة في عهد يوغرطة، الذي استولى عليها سنة 112 قبل الميلاد، وفقًا للموسوعة الفرنسية «لاروس» والمراجع المتخصصة في التاريخ القديم.
وهذا التسلسل الزمني مهم لفهم تاريخ قسنطينة؛ إذ إن مكانتها في الدولة النوميدية سبقت الفتح العربي الإسلامي بقرون عديدة، ولم تكن نشأتها التاريخية نتيجة بناء عربي لاحق، رغم أن المدينة شهدت تحولات عمرانية وسياسية وثقافية متعاقبة.
لماذا تستحق شهادة الرحّالة البلجيكي القراءة؟
تكمن أهمية الكتاب في كونه وثيقة أوروبية من القرن التاسع عشر تصف مناطق من الجزائر وتستحضر أسماء وشخصيات من تاريخها القديم.
غير أن التعامل مع كتب الرحلات القديمة يتطلب التمييز بين ثلاثة أمور: ما شاهده الكاتب بنفسه، وما نقله عن مصادر سابقة، وما قدّمه من تفسيرات تاريخية. فوجود عبارة في كتاب قديم لا يجعل كل تفاصيلها حقيقة تاريخية مؤكدة، بل يستدعي مقارنتها بالمصادر الأثرية والتاريخية الأخرى.
وفي حالة قسنطينة، يتيح النص فرصة لدراسة الطريقة التي تصوّر بها بعض الكتّاب الأوروبيين العلاقة بين المدينة العربية في عصرهم، وسيرتا التي ازدهرت في العهد النوميدي.
قسنطينة.. ذاكرة حضارية تتجاوز رواية واحدة
تحتفظ قسنطينة بمكانة بارزة في تاريخ الجزائر، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، بل أيضًا بسبب تعاقب الحضارات عليها، من العصور القديمة إلى الفترات اللاحقة.
وتؤكد المراجع التاريخية أن سيرتا كانت عاصمة لمملكة ماسينيسا، وأن المدينة عرفت تحولات كبيرة خلال العهدين النوميدي والروماني، قبل أن تتطور في مراحل تاريخية لاحقة وتحمل اسم قسنطينة.
إن العودة إلى الوثائق القديمة، وقراءة النصوص بلغتها الأصلية، ومقارنتها بنتائج البحث التاريخي، تظل من أهم الوسائل لفهم تاريخ المدن الجزائرية بعيدًا عن التأويلات غير الدقيقة.
المراجع
1. أوجين غوبليه دالفييلا، Le Sahara algérien، 1899.
2. موسوعة لاروس، مدخل «Cirta»: قراءة المرجع
3. الموسوعة الكلاسيكية لمواقع العصور القديمة، مدخل «CIRTA (Constantine)»: قراءة المرجع
4. محمد الصغير غانم، «قسنطينة عبر تاريخها القديم»، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة قسنطينة.
