من الصحراء يولد المستقبل: غار جبيلات وسكة الجزائر الجديدة


 في خطوة وُصفت بأنها من أبرز التحولات الاقتصادية في الجزائر الحديثة، أشرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يوم الأحد، على تدشين خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الرابط بين غار جبيلات وتندوف وبشار، في قلب الصحراء الجنوبية الغربية، معلناً انطلاق مرحلة جديدة في مسار التنمية الوطنية.

### حضور رئاسي برسائل قوية

اختيار رئيس الجمهورية التوجه شخصياً إلى منطقة غار جبيلات، إحدى أكثر المناطق بعداً في أقصى الجنوب الغربي، لم يكن حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل حمل دلالات سياسية وتنموية عميقة. فالزيارة جسّدت الإرادة العليا للدولة في مرافقة المشاريع الاستراتيجية ميدانياً، والتأكيد على أن التنمية تشمل كامل التراب الوطني دون استثناء.

وخلال الزيارة، عاين الرئيس تبون المنشآت المنجمية ومرافق خط السكة الحديدية، وسط حضور واسع للمسؤولين المحليين، الإطارات التقنية، العمال، وسكان المنطقة، في مشهد عكس حجم الرهان المعقود على هذا المشروع العملاق.

### رؤية اقتصادية جديدة من عمق الصحراء

في كلمة ألقاها بالمناسبة، شدد رئيس الجمهورية على أن تدشين هذا الخط السككي يشكل المرحلة الأولى من مشروع وطني مهيكل من شأنه إحداث تحول عميق في جنوب البلاد، مؤكداً أن غار جبيلات ستكون قطباً اقتصادياً محورياً في المستقبل القريب.

وأوضح الرئيس أن المشروع يندرج ضمن التوجه الاستراتيجي للدولة الرامي إلى استغلال الثروات الطبيعية الوطنية، خاصة في قطاع المناجم، بهدف تنويع مصادر الدخل الوطني والتقليص من التبعية للمحروقات.


كما كشف عن مشاريع منجمية كبرى أخرى قيد الإنجاز، من بينها استغلال منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور ببجاية، وإنجاز خط سكك حديدية يربط منجم بلاد الحدبة بالرصيف المنجمي لعنابة، في إطار رؤية متكاملة تربط الجنوب بالشمال وتُحوّل الثروات الخام إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

### إنجاز هندسي في ظرف قياسي

ومن أبرز النقاط التي ميّزت الحدث، إشادة رئيس الجمهورية بسرعة إنجاز المشروع، حيث تم تشييد خط السكة الحديدية في ظرف لا يتجاوز عشرين شهراً، رغم التحديات الطبيعية القاسية التي تفرضها البيئة الصحراوية.

ووجّه الرئيس شكره إلى العمال والإطارات الجزائرية، إضافة إلى الشركاء الصينيين، مثمّناً الجهود الكبيرة التي أثمرت عن هذا الإنجاز في وقت قياسي، ما يعكس قدرة الجزائر على إنجاز مشاريع كبرى بإرادة سياسية قوية وتنظيم محكم.

### مشروع بأبعاد استراتيجية شاملة

لا يقتصر خط السكة الحديدية المنجمي الغربي على كونه مشروع نقل، بل يمثل ركيزة أساسية لتحول اقتصادي عميق، لعدة أسباب جوهرية:

* يفتح المجال لاستغلال واحد من أكبر احتياطات خام الحديد في إفريقيا، التي ظلت غير مستغلة لعقود بسبب غياب البنية التحتية.

* يساهم في بعث ديناميكية تنموية جديدة في ولايات الجنوب الغربي، من خلال خلق فرص عمل وتحفيز الاستثمارات.

* يعزز موقع الجزائر في سوق الحديد العالمية، ويوفر مورداً استراتيجياً بديلاً عن المحروقات.

* يدعم السيادة الوطنية والتنمية المتوازنة في المناطق الحدودية الحساسة.

### أبعاد إقليمية وجيوسياسية

يحمل المشروع أيضاً أبعاداً جيوسياسية مهمة، خاصة في سياق التحولات التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء. فربط غار جبيلات بالشبكة الوطنية للنقل يعزز مكانة الجزائر كفاعل إقليمي محوري، ويفتح آفاقاً جديدة للتكامل الاقتصادي مع الدول الإفريقية المجاورة، ضمن مشاريع الممرات العابرة للصحراء.

### تحديات ما بعد التدشين

ورغم أهمية الإنجاز، تبقى مرحلة الاستغلال الفعلي التحدي الأكبر، سواء من حيث تسويق الإنتاج في الأسواق الدولية، أو تطوير صناعات تحويلية محلية، أو ضمان التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة الصحراوية، إضافة إلى الرهان على الكفاءات الوطنية في إدارة هذا المشروع العملاق.

### بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجزائر الاقتصادي

بتدشين خط السكة الحديدية المنجمي الغربي، تكون الجزائر قد وضعت قدماً ثابتة في مسار التعدين الحديث، وأطلقت مشروعاً استراتيجياً سيترك بصمته على الاقتصاد الوطني لعقود قادمة.

ما حدث في غار جبيلات لم يكن مجرد حدث رسمي، بل إعلان فعلي عن توجه جديد: جزائر تراهن على ثرواتها الحقيقية، تستثمر في جنوبها الكبير، وتؤسس لاقتصاد متنوع وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.

ومن قلب الصحراء، جاءت الرسالة واضحة: الجزائر الجديدة اختارت طريق التنمية الشاملة، وهذا المشروع ليس سوى البداية.








أحدث أقدم