مرصاد 24
×

أسطورة سيدي رابح بوقبريين في جبال الونشريس



قصة تجمع بين التاريخ والأسطورة والموروث الشعبي الجزائري.

قصة بين التاريخ والخيال الشعبي الجزائري


في أعالي جبال الونشريس، حيث تمتزج الطبيعة القاسية بالحكايات القديمة، ولدت واحدة من أكثر الأساطير شهرة في التراث الجزائري... سيدي رابح بوقبرين، الولي الذي حيّر الناس بقبرين وصدى لا يزال يتردد إلى اليوم.


📍 أرض الونشريس: مهد الأساطير

تقع جبال الونشريس في غرب الجزائر، وهي منطقة غنية بالتاريخ والقصص الشعبية، حيث اختلطت الزوايا بالأولياء والحكايات العجيبة.

"الأسطورة ليست مجرد خيال، بل ذاكرة شعب لا تُمحى"

🧔 من هو سيدي رابح بوقبرين؟

هو رجل صالح من القرن السادس عشر، ارتبط اسمه بالبركة والكرامات، وأصبح رمزًا روحيًا في المنطقة.

🔥 القصة الأشهر: لماذا سُمّي "بوقبرين"؟ لأنه دُفن في مكانين مختلفين حسب الرواية الشعبية!

⚡ كرامات وأحداث عجيبة

  • تحول موكب عرس إلى حجارة
  • تحرك جبلين بأمر من ابنه
  • دعاء مستجاب حتى بعد الوفاة

✨ خلاصة

تبقى أسطورة سيدي رابح بوقبرين جزءًا من الذاكرة الشعبية الجزائرية، تجمع بين التاريخ والإيمان والخيال في قصة واحدة لا تُنسى.

♦️ أسطورة سيدي رابح بوقبرين في الونشريس: القصة الكاملة بين التاريخ والخيال

في أعالي جبال الونشريس، حيث تتشابك الغابات الكثيفة مع القمم الوعرة، وتختلط ذاكرة المكان بصدى الحكايات القديمة، ما تزال الألسن تردد إلى اليوم قصة غامضة عن ولي صالح حيّر الناس وأثار دهشتهم عبر القرون. إنها حكاية **سيدي رابح بوقبرين**، الرجل الذي تقول الرواية الشعبية إنه نطق من قبرين مختلفين، فأصبح رمزًا من رموز الموروث الشعبي الجزائري.

هذه القصة ليست مجرد حكاية تُروى للتسلية، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية لسكان الونشريس، وتعكس كيف امتزج التاريخ بالدين والأسطورة في تشكيل المخيال الشعبي.


🔴 أرض الونشريس... مهد الأساطير

تقع منطقة الونشريس في غرب الجزائر، وتمتد جبالها بين ولايات تيسمسيلت وتيارت والشلف وعين الدفلى. عُرفت هذه المنطقة منذ القدم بطبيعتها الجبلية الصعبة، وغاباتها الكثيفة، وعزلتها التي جعلتها فضاءً خصبًا لظهور الزوايا والأولياء والحكايات العجيبة.

وقد شهدت المنطقة تعاقب حضارات وقبائل متعددة، من الأمازيغ إلى العرب، مما منحها رصيدًا تاريخيًا وثقافيًا غنيًا ما يزال حاضرًا في الروايات الشعبية إلى اليوم.


🔴 من هو سيدي رابح بوقبرين؟

بحسب الروايات المتداولة، فإن سيدي رابح رجل صالح عاش في القرن السادس عشر الميلادي تقريبًا، وينتمي إلى أسرة الروابح، وهي أسرة ذات نسب شريف يُرجعها بعض النسّابين إلى آل البيت.

وتربط بعض المصادر نسبه بالمتصوف المعروف **ابن فكرون**، الذي كان له شأن كبير في المنطقة، وهو ما منح هذه الشخصية مكانة روحية خاصة في المخيال الشعبي. 

لم يكن سيدي رابح مجرد شيخ أو ناسك، بل أصبح في نظر الناس وليًا صاحب بركة وكرامات، يُلجأ إليه طلبًا للشفاء، والدعاء، والحماية من المصائب.


🔴 القصة التي صنعت اللقب: لماذا سُمّي "بوقبرين"؟

تبدأ أشهر روايات الأسطورة بعد وفاة سيدي رابح.

عندما توفي الشيخ، اختلف أبناؤه مع خدام زاويته حول المكان الذي يجب أن يُدفن فيه. أراد الأبناء دفنه في موضع معيّن، بينما رأى الخدام أن مكانًا آخر هو الأجدر باحتضان جثمانه.

قام كل طرف بدفنه في المكان الذي اختاره، فصار للشيخ قبر أول وقبر ثانٍ.

ولما اشتد الخلاف، قرر الناس أن يسألوا الشيخ نفسه: أين يوجد قبرك الحقيقي؟

وقفوا عند القبر الأول، فناداهم بصوت مسموع.

ثم انتقلوا إلى القبر الثاني، فسمعوا الجواب نفسه.

ومنذ ذلك اليوم، صار يُعرف باسم **سيدي رابح بوقبرين**، أي "الولي صاحب القبرين". 

🔴 موكب العرس الذي تحول إلى حجارة

من أشهر الكرامات المنسوبة إلى سيدي رابح قصة تتناقلها الأجيال بإعجاب وخشوع.

تقول الرواية إن موكب عرس مر بالقرب من زاوية الشيخ دون أن يتوقف أصحابه للسلام عليه أو طلب البركة. فغضب الولي من تجاهلهم، ورفع يده داعيًا عليهم.

وفي لحظات، تحول أفراد الموكب إلى حجارة.

ويؤكد بعض سكان المنطقة أن صخورًا موجودة في نواحي مازر لا تزال تُنسب إلى ذلك الموكب المتحجر.

## الابن علي والجبلان اللذان كادا يطبقان على الناس

تحكي الأسطورة أيضًا عن ابن سيدي رابح، واسمه علي.

وقع خلاف بينه وبين عمّيه حول حقه في العشور والغلال. وعندما اشتد النزاع، دعا علي جبلين مشهورين في المنطقة، هما **الشافعية** و**ماحنون**، أن يتحركا ويلتقيا ليطبقا على خصومه.

وبينما كان الجبلان يتقدمان بالفعل، رفع علي سيفه وأمرهما بالتوقف، فتوقفا في مكانهما.


وتُقدَّم هذه الرواية باعتبارها دليلاً على القوة الروحية التي ورثها أبناء الولي عن أبيهم. 


🔴 الدعاء المستجاب وهيبة الروابح

من الاعتقادات الشائعة في المنطقة أن دعاء سيدي رابح ظل مستجابًا حتى بعد وفاته، وأن هذه الخصوصية انتقلت إلى أبنائه وأحفاده.

وكان الناس يهابون أفراد أسرة الروابح، ويحرصون على إرضائهم، اعتقادًا بأن غضبهم قد يجلب العقاب.

ومن القصص المتداولة أن أحد أحفاده دعا بالمطر على قوم رفضوا منحه العشور، فنزل مطر غزير أتلف محاصيلهم كلها. 

🔴 الخدام أم الأبناء؟ من الأقرب إلى الولي

تشير الدراسة إلى أن خدام الضريح كانوا يتمتعون بمكانة كبيرة، وأحيانًا كان يُنظر إليهم على أنهم أقرب إلى الولي من أبنائه أنفسهم، لأنهم حافظوا على خدمته وطقوس زيارته.

ومن هنا يمكن فهم سبب النزاع حول مكان دفنه، وكيف ساهم هذا الصراع في ولادة أسطورة القبرين. 

🔴 شعر شعبي في مدح سيدي رابح

خلّد سكان المنطقة اسم سيدي رابح بوقبرين في أشعارهم الشعبية، ومن الأبيات المتداولة في مدحه ما يؤكد مكانته الكبيرة في قلوب الزوار والمريدين. 

كان الناس يقصدون ضريحه طلبًا للبركة، خاصة ليلة الجمعة، معتقدين أن زيارته تمنح الطمأنينة وتقضي الحاجات.

🔴 كيف يفسر الباحثون هذه الأسطورة؟

يرى الباحثان أن الأسطورة ليست مجرد قصة خيالية، بل تعبير عن بنية اجتماعية وثقافية معقدة.

فقد ساهمت كرامات الأولياء في ترسيخ مكانة بعض الأسر داخل المجتمع، ومنحتها سلطة رمزية قوية جعلت الناس يهابونها ويحترمونها.

وبذلك أصبحت الأسطورة وسيلة لتفسير النفوذ الاجتماعي وإضفاء الشرعية عليه.

🔴 بين الحقيقة والخيال

•هل كان لسيدي رابح بالفعل قبران؟

•هل تحوّل موكب عرس إلى حجارة؟

• هل تحركت الجبال استجابة لدعاء ابنه؟

قد لا يستطيع التاريخ أن يؤكد هذه الروايات حرفيًا، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في ما تكشفه عن نظرة المجتمع إلى القداسة والبركة والسلطة الروحية.

فالأسطورة، حتى وإن حملت عناصر عجائبية، تظل وثيقة ثقافية تعبّر عن طريقة تفكير الناس وتفسيرهم للعالم من حولهم.

🔴 خاتمة

أسطورة سيدي رابح بوقبرين ليست مجرد حكاية عن ولي صالح له قبران، بل هي قصة تختزل تاريخًا طويلًا من الإيمان الشعبي والرموز الاجتماعية في جبال الونشريس.

إنها واحدة من أجمل الأساطير الجزائرية التي ما تزال حيّة في ذاكرة الناس، تروى في المجالس، وتتناقلها الأجيال، وتمنحنا نافذة لفهم العلاقة العميقة بين الإنسان والتراث والمقدس.


**المصدر:** دراسة أكاديمية بعنوان *أسطورة سيدي رابح بوقبرين بمنطقة الونشريس: قراءة سوسيو-تاريخية* للدكتور بوشامة أحمد والدكتور كرايس الجيلالي.


© دراسة أكاديمية بعنوان أسطورة سيدي رابح بوقبرين بمنطقة الونشريس: قراءة سوسيو-تاريخية.

أحدث أقدم