مرصاد 24
×
| | 🌤️ ...

هل تستطيع الجزائر بناء شركات وطنية تستعيد السيطرة على ثروتها النفطية؟


 

هل تستطيع الجزائر الاستغناء عن الشركات الأجنبية في النفط؟.. من الشراكة إلى بناء قوة طاقوية وطنية

تطرح عودة النقاش حول مستقبل قطاع المحروقات في الجزائر سؤالاً استراتيجياً يتجاوز مسألة تقاسم عائدات النفط مع الشركات الأجنبية: هل تستطيع الجزائر، على المدى البعيد، بناء منظومة نفطية وطنية قادرة على الاستكشاف والإنتاج والتطوير دون الاعتماد الكبير على الشركاء الأجانب؟

ويكتسب السؤال أهمية خاصة في ظل استمرار الجزائر في توقيع عقود جديدة مع شركات دولية في قطاع المحروقات. ففي السنوات الأخيرة، أبرمت سوناطراك اتفاقيات مع شركات من الصين وإيطاليا وتايلاند وقطر وفرنسا وغيرها، ضمن الإطار الذي حدده قانون المحروقات 19-13. وفي جولة العروض الجزائرية لسنة 2024، أُسندت خمسة من أصل ست رقع مقترحة للاستثمار، باستثمارات دنيا بلغت نحو 606 ملايين دولار.

السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يستخرج النفط، بل بمن يملك التكنولوجيا والمعدات والخبرة وسلسلة القيمة كاملة.

لماذا تحتاج الجزائر إلى الشركات الأجنبية؟

الجواب لا يتعلق فقط بالمال. فعمليات البحث عن النفط والغاز تتطلب استثمارات ضخمة، وتكنولوجيا متقدمة، وخبرات متخصصة، إضافة إلى تحمل مخاطر الاستكشاف. فقد تنفق الشركة مئات الملايين من الدولارات على عمليات الحفر والدراسات الجيولوجية دون الوصول إلى اكتشاف تجاري.

ولهذا تعتبر سوناطراك أن الشراكة وسيلة لتقاسم الاستثمارات والمخاطر المرتبطة بالاستكشاف والإنتاج، خصوصاً في المناطق الجديدة أو الحقول التي تتطلب تقنيات متقدمة.

وهناك أمثلة حديثة على حجم الاستثمارات المطلوبة؛ فعقد سوناطراك مع إيني في رقعة زمول الكبير يتضمن استثمارات إجمالية مبرمجة بحوالي 1.35 مليار دولار، بينما يبلغ الاستثمار المتوقع في مشروع حاسي بركان شمال مع الشركة الصينية سينوبك نحو 850 مليون دولار.

لكن هل يعني ذلك أن الجزائر عاجزة عن العمل وحدها؟

ليس بالضرورة.

فالجزائر تمتلك شركة وطنية عملاقة هي سوناطراك، وتملك خبرة تراكمية كبيرة في مختلف مراحل صناعة النفط والغاز.

كما أن سوناطراك لا تكتفي بالإنتاج، بل تعمل على تطوير قدراتها الهندسية والتكنولوجية، وتخصص جزءاً كبيراً من استثماراتها لنشاطات البحث والتطوير والاستكشاف والإنتاج. وتؤكد الشركة أن أكثر من 70% من ميزانيتها الاستثمارية السنوية يوجه إلى تجديد وتوسيع قاعدة الاحتياطيات وتطوير نشاط المنبع.

كما تعمل سوناطراك على تطوير شراكات مع الجامعات ومراكز البحث والشركات الوطنية بهدف نقل المهارات وتطوير حلول تكنولوجية محلية، وقد أعلنت عن عشرات اتفاقيات التعاون في هذا المجال.

لماذا لا تنشئ الجزائر شركات نفطية وطنية جديدة؟

هنا يمكن أن يبدأ التفكير في نموذج مختلف.

بدلاً من الاعتماد على سوناطراك وحدها، تستطيع الجزائر على المدى الطويل بناء منظومة من الشركات الوطنية المتخصصة، تشمل شركة وطنية للاستكشاف والتنقيب، وشركة وطنية للحفر، وشركات متخصصة في الخدمات النفطية والهندسة وتصميم المنشآت النفطية.

كما يمكن تطوير شركات وطنية لتصنيع معدات الآبار، وتقنيات الاستخلاص المعزز، والبتروكيماويات والتكرير، إضافة إلى شركات وطنية للتسويق والخدمات النفطية الدولية.

الهدف ليس فقط امتلاك النفط، وإنما امتلاك القدرة على استخراج النفط وتطويره وتصنيع معداته وتسويقه بأكبر قدر ممكن من القيمة المضافة داخل الجزائر.

الحل ليس بالضرورة طرد الشركات الأجنبية

قد يكون من الخطأ اقتصادياً مطالبة الجزائر بالاستغناء الفوري عن الشركات الأجنبية. والأكثر واقعية هو تحويل الشراكة الأجنبية إلى مرحلة انتقالية لنقل التكنولوجيا والخبرة.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتضمن العقود المستقبلية شروطاً أكثر صرامة في مجال نقل التكنولوجيا، وتدريب المهندسين الجزائريين، ورفع نسبة المناولة المحلية، وتصنيع المعدات محلياً، وتطوير مراكز البحث، وزيادة مشاركة الشركات الجزائرية.

وبمرور السنوات، يصبح دور الشريك الأجنبي أقل اعتماداً على تشغيل الحقل نفسه وأكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والخدمات المتخصصة.

وهذا الاتجاه موجود بالفعل في بعض العقود؛ إذ تؤكد سوناطراك في عقود حديثة على استخدام التكنولوجيا الحديثة وإعطاء الأولوية للمحتوى المحلي والموردين الوطنيين.

ماذا لو استطاعت الجزائر الوصول إلى الاستقلال التقني؟

عندها سيتغير ميزان القوة بشكل كبير.

فبدلاً من أن تحتاج الجزائر إلى شريك أجنبي لكي يمول ويطور الحقل ويقدم التكنولوجيا، يمكن أن تصبح الشركات الجزائرية نفسها قادرة على تنفيذ معظم العمليات، بينما يتم اللجوء إلى الشركات الأجنبية فقط في المجالات شديدة التخصص.

وهذا لا يعني إغلاق الباب أمام الاستثمار الأجنبي، بل يعني أن الجزائر تدخل الشراكة من موقع أقوى.

فكلما زادت الخبرة الجزائرية، ارتفعت القدرة على التفاوض حول شروط العقود، وتوسعت حصة الاقتصاد الوطني من القيمة المضافة.

حاسي مسعود.. اختبار حقيقي للفكرة

يبقى حاسي مسعود رمزاً مهماً في هذه المعادلة، باعتباره أحد أهم مناطق الإنتاج النفطي في الجزائر.

والسؤال الذي يستحق النقاش ليس فقط: كم برميلاً تنتج الجزائر؟

بل: كم من قيمة هذا البرميل يبقى داخل الاقتصاد الجزائري؟ وكم من المعدات المستخدمة في استخراجه تُصنع في الجزائر؟ وكم من الشركات الجزائرية تشارك في الخدمات؟ وكم من المهندسين الجزائريين يمتلكون التكنولوجيا والخبرة اللازمة لإدارة الحقل؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة تتجه تدريجياً نحو زيادة المحتوى المحلي، فإن الجزائر تكون قد بدأت فعلياً في بناء استقلالها الطاقوي الحقيقي.

من دولة منتجة إلى دولة مالكة للتكنولوجيا

المعركة الحقيقية في قطاع النفط لم تعد فقط على امتلاك الاحتياطي.

فالدول القوية في الطاقة هي التي تمتلك: الاحتياطي + التكنولوجيا + رأس المال + الشركات + الخبرات + المعدات + القدرة على التسويق.

ولهذا فإن الهدف الاستراتيجي للجزائر يمكن أن يكون بناء جيل جديد من الشركات النفطية الوطنية القادرة على المنافسة خارج الحدود أيضاً.

فبدلاً من أن تكون الجزائر مجرد دولة تستخرج النفط والغاز، يمكن أن تتحول إلى دولة تبيع الخبرة والتكنولوجيا والخدمات النفطية إلى دول أخرى.

الخلاصة

لا يبدو أن الخيار الواقعي هو قطع العلاقات مع الشركات الأجنبية أو إلغاء الشراكات بشكل مفاجئ.

الخيار الأكثر فائدة للاقتصاد الجزائري قد يكون بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعل الشريك الأجنبي وسيلة لنقل رأس المال والتكنولوجيا والخبرة، وليس بديلاً دائماً عن الشركات الجزائرية.

وعندما تمتلك الجزائر شركات وطنية قادرة على الاستكشاف والحفر والتطوير والإنتاج والتصنيع والخدمات، فإنها ستتمكن من إعادة صياغة الشراكات من موقع أقوى.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى الأجانب؟ بل: متى تستطيع الجزائر أن تجعل حاجتها إليهم أقل سنة بعد أخرى؟
أحدث أقدم
💡
هل تواجه مشكلة في قراءة المقال؟ إذا ظهر النص أو الخط بشكل غير واضح، جرّب تغيير الوضع الليلي 🌙 إلى الوضع النهاري ☀️.