الكنز المفقود للملك يوبا: ذو القرنين في زمانه ورحلة أفارقة إلى أمريكا قبل كولومبوس
The Lost Treasure of King Juba: The Evidence of Africans in America Before Columbus
توجد في صفحات التاريخ قصص كثيرة بقيت معلقة بين الحقيقة والفرضية، لكن قصة الملك يوبا الثاني تبدو مختلفة؛ فهي تجمع بين ملك إفريقي حكم من أرض الجزائر الحالية، وعالم اهتم بالجغرافيا والاستكشاف، ورحلات نحو المحيط الأطلسي، ثم رواية مثيرة تتحدث عن وصول أفارقة إلى أمريكا قبل كريستوف كولومبوس بقرون طويلة.
ومن هنا ظهرت القضية التي تناولها الكاتب فرانك جوزيف في كتابه الشهير:
أي: «الكنز المفقود للملك يوبا: أدلة وجود أفارقة في أمريكا قبل كولومبوس».
فهل نحن أمام مجرد رواية تاريخية مثيرة؟ أم أن وراءها خيطاً من الأدلة يستحق إعادة البحث؟
يوبا الثاني… الملك الذي حكم من أرض الجزائر الحالية
كان يوبا الثاني ملكاً حقيقياً من ملوك شمال إفريقيا في العصور القديمة، وقد ارتبط اسمه بنوميديا وموريطانيا.
ولد نحو سنة 52 قبل الميلاد، وهو ابن يوبا الأول، ملك نوميديا، الذي دخل في صراع مع روما خلال الحرب الأهلية الرومانية. وبعد هزيمة والده، انتقل يوبا الثاني إلى روما، حيث تلقى تعليماً واسعاً في الثقافة والعلوم والفلسفة.
وفي مرحلة لاحقة أعاده الإمبراطور أغسطس إلى الحياة السياسية، وأصبح ملكاً على موريطانيا.
واتخذ يوبا الثاني من قيصرية موريطانيا عاصمة لمملكته، وهي المدينة التي تعرف اليوم باسم شرشال في الجزائر.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في قصة يوبا:
ملك وسفير للمعرفة
لم يكن يوبا الثاني ملكاً تقليدياً ينشغل بالحروب والسياسة فقط.
فالمصادر القديمة تنسب إليه مؤلفات في التاريخ والجغرافيا والطبيعة، وكان معروفاً باهتمامه بجغرافية إفريقيا والمناطق البعيدة.
وقد اهتم خصوصاً بالمناطق الواقعة غرب شمال إفريقيا، وبالمحيط الأطلسي والجزر الموجودة فيه.
وهذه النقطة بالذات أصبحت لاحقاً أساساً مهماً للباحثين الذين حاولوا دراسة احتمال وجود رحلات إفريقية قديمة نحو الغرب.
فإذا كان يوبا الثاني يعرف العالم الأطلسي ويرسل بعثات للاستكشاف، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
يوبا الثاني وجزر الأطلسي
من أشهر ما ارتبط باسم يوبا الثاني إرسال بعثة لاستكشاف الجزر الواقعة في المحيط الأطلسي، وخاصة الجزر التي ارتبطت لاحقاً بجزر الكناري.
وقد وصلت معلومات عن هذه الرحلات إلى المؤرخ الروماني بليني الأكبر، الذي نقل في مؤلفاته أوصافاً للجزر الأطلسية وأسماءً قديمة لها.
وهذا يعني أن يوبا الثاني لم يكن غريباً عن عالم المحيط الأطلسي.
بل إن مملكته كانت تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعلها قريبة من بوابة المحيط.
ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر الفرضيات إثارة للجدل في التاريخ القديم.
هل عبر أفارقة الأطلسي ووصلوا إلى أمريكا؟
في كتاب The Lost Treasure of King Juba، يقدم فرانك جوزيف رواية تقول إن مجموعة من الموريطانيين والأفارقة ربما غادرت شمال إفريقيا في ظروف مرتبطة بالصراع مع روما، واتجهت غرباً عبر المحيط الأطلسي.
وبحسب هذه النظرية، لم تكن الرحلة مجرد رحلة تجارية أو استكشافية، وإنما كانت مرتبطة بمحاولة الهروب وإعادة بناء مجتمع جديد في أرض بعيدة.
ويذهب الكتاب إلى أبعد من ذلك، إذ يربط هذه الرحلة بما يسمى كنز يوبا المفقود، والذي يُقال إنه وصل إلى الأراضي الأمريكية القديمة.
وهنا تتحول القصة من رحلة بحرية إلى لغز تاريخي كامل.
كهف بوروز… الحلقة الأكثر غموضاً
في الولايات المتحدة ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين قصة عُرفت باسم Burrows Cave أو «كهف بوروز» في ولاية إلينوي.
وادعى مكتشف الكهف، راسل بوروز، العثور على مجموعة كبيرة من الأحجار والقطع الأثرية والنقوش.
والأكثر إثارة أن بعض هذه القطع، وفق الرواية التي تبناها مؤيدو القضية، حملت رموزاً وصوراً اعتُبرت ذات صلة بحضارات العالم القديم.
ظهرت على هذه القطع، بحسب الادعاءات، أشكال مرتبطة بمصر وروما وشمال إفريقيا وغيرها.
كان أحد التفسيرات المطروحة هو وجود رحلات عبر الأطلسي قبل عصر كولومبوس.
أما فرانك جوزيف، فحاول أن يربط هذه القصة بمملكة يوبا الثاني وبالرحلات الموريطانية المزعومة.
كنز يوبا… هل كان ذهباً أم معرفة؟
عنوان الكتاب قد يوحي بأن المقصود هو كنز من الذهب والمجوهرات.
لكن مفهوم «الكنز» في الرواية أوسع من ذلك.
فالحديث يدور أيضاً عن المعرفة والكتب والتحف والرموز والمقتنيات التي يمكن أن تكون قد حملت معها ذاكرة حضارة كاملة.
ويوبا الثاني نفسه كان معروفاً بثقافته واهتمامه بالعلوم والجغرافيا.
ولهذا فإن الرواية تفترض أن «الكنز» ربما لم يكن مجرد ثروة مادية، وإنما جزءاً من التراث الذي خرج من شمال إفريقيا وانتقل إلى العالم الجديد.
لماذا يوبا الثاني بالذات؟
قد يسأل البعض: لماذا ربط فرانك جوزيف هذه القصة بالملك يوبا الثاني؟
الإجابة تكمن في مجموعة من العناصر المتقاطعة.
أولاً، يوبا الثاني شخصية تاريخية موثقة.
ثانياً، حكم مملكة واسعة في شمال إفريقيا.
ثالثاً، كانت عاصمته قيصرية، أي شرشال الحالية في الجزائر.
رابعاً، كان مثقفاً ومهتماً بالجغرافيا.
خامساً، ارتبط اسمه بالاستكشاف الأطلسي.
سادساً، كان العالم الذي عاش فيه يعرف شمال إفريقيا والمحيط الأطلسي بدرجة أكبر مما يتخيله كثيرون اليوم.
ولهذا أصبح يوبا الثاني الشخصية المثالية في هذه النظرية.
يوبا الثاني… «ذو القرنين» في زمانه
ومن هنا يمكن فهم وصف يوبا الثاني بأنه:
والمقصود هنا وصف رمزي للملك الذي ارتبط بحدود العالم المعروف في عصره، وبالرحلات والمعرفة والجغرافيا والاتصال بين مناطق بعيدة.
لكن من الضروري التمييز بين الرمز والحقيقة التاريخية.
فلا يوجد دليل تاريخي موثوق يثبت أن يوبا الثاني هو ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم.
لذلك فإن وصفه بـ«ذو القرنين في زمانه» ينبغي فهمه باعتباره تشبيهاً أدبياً وإعلامياً لشخصية ملكية ارتبطت بالمعرفة والاستكشاف، وليس إثباتاً لهوية دينية.
هل كان يوبا مكتشف أمريكا قبل كولومبوس؟
هنا تصل القصة إلى أكثر نقاطها حساسية.
إذا كانت الرحلات الموريطانية قد وصلت فعلاً إلى أمريكا، فإن ذلك يعني أن الاتصال بين شمال إفريقيا والعالم الجديد سبق كولومبوس بأكثر من ألف عام.
لكن هناك فرق كبير بين:
و
إثبات حدوثها فعلاً.
فالمحيط الأطلسي لم يكن حاجزاً يستحيل عبوره بالنسبة للسفن القديمة من الناحية النظرية، كما أن التيارات والرياح البحرية تجعل بعض المسارات العابرة للأطلسي ممكنة.
لكن وجود إمكانية بحرية لا يثبت أن رحلة معينة حدثت.
ولهذا لا يمكن القول علمياً إن يوبا الثاني «اكتشف أمريكا» باعتبار ذلك حقيقة محسومة.
الأدق أن نقول:
وماذا عن كولومبوس؟
وصل كريستوف كولومبوس إلى العالم الجديد سنة 1492م، لكن وصفه بأنه «مكتشف أمريكا» يحتاج إلى شيء من الدقة.
فالأمريكتان كانتا مأهولتين بشعوب أصلية منذ آلاف السنين، كما أن وصول الفايكنغ إلى أمريكا الشمالية قبل كولومبوس أصبح مثبتاً بأدلة أثرية قوية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
بل:
وهنا تدخل فرضية يوبا والموريطانيين ضمن مجموعة واسعة من النظريات المتعلقة بالاتصالات القديمة عبر الأطلسي.
الدراسة الجزائرية حول «كنز يوبا»
المثير للاهتمام أن قصة The Lost Treasure of King Juba لم تبقَ مجرد كتاب أمريكي أو رواية منتشرة في المواقع الإلكترونية.
فقد ظهرت في الجزائر دراسة أكاديمية تناولت الكتاب نفسه بالنقد والتحليل، بعنوان:
وهذا يعكس أهمية الموضوع بالنسبة للبحث في تاريخ شمال إفريقيا وعلاقاتها المحتملة بالعالم القديم.
والأهم أن دراسة مثل هذه تفرض علينا التعامل مع الرواية بعين الباحث، لا بعين المتحمس للأسطورة.
فوجود كتاب يتحدث عن الرحلة لا يعني أن الرحلة ثبتت.
ووجود أحجار أو نقوش يُقال إنها قديمة لا يعني تلقائياً أنها موريطانية.
والتاريخ الحقيقي يحتاج إلى أدلة يمكن فحصها وتأريخها ومقارنتها بمصادر مستقلة.
بين الأسطورة والحقيقة
ربما تكمن قوة قصة يوبا الثاني في أنها لا تحتاج إلى اختراع شخصية أسطورية حتى تصبح مثيرة.
فنحن أمام ملك حقيقي عاش في شمال إفريقيا.
ملك حكم من شرشال.
ملك كان مثقفاً وكاتباً.
ملك اهتم بالجغرافيا.
ملك ارتبط باستكشاف جزر الأطلسي.
ثم ظهرت بعد نحو ألفي عام رواية تتحدث عن آثار وكنز يُنسبان إلى عالم إفريقي قديم في أمريكا.
الخلاصة
إن «The Lost Treasure of King Juba» واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل حول إمكانية وصول أفارقة إلى أمريكا قبل كولومبوس.
ويأتي الملك يوبا الثاني في مركز هذه الرواية باعتباره ملكاً تاريخياً حكم موريطانيا من قيصرية، شرشال الحالية في الجزائر، وكان معروفاً باهتمامه بالجغرافيا والاستكشاف وبالعالم الأطلسي.
أما قصة وصول الموريطانيين إلى أمريكا ووجود «كنز يوبا» في إلينوي، فهي فرضية تاريخية مثيرة لم تثبت بصورة تحظى بإجماع علماء الآثار والتاريخ.
ومع ذلك، فإن مجرد وجود هذه الفرضية يفتح باباً مهماً للتساؤل حول تاريخ الملاحة القديمة، وحول الدور الذي لعبه سكان شمال إفريقيا في استكشاف العالم خارج حدود البحر المتوسط.
ويبقى يوبا الثاني شخصية استثنائية في تاريخ الجزائر القديمة؛ ملكاً وعالماً ومؤلفاً، ورجلاً ارتبط اسمه بالمحيط الأطلسي قبل عصر كولومبوس بقرون طويلة.
وربما لهذا السبب يستحق أن يُعاد تقديمه بعيداً عن الصورة التقليدية للملوك القدماء:
أما السؤال الذي لم يُحسم بعد، فيبقى مفتوحاً:
