مرصاد 24
×
| | 🌤️ ...

تسارع المشاريع الاستراتيجية يعكس تحوّلًا نوعيًا في طريقة إدارة الاقتصاد الجزائري



 

خبير اقتصادي: تسارع تنفيذ المشاريع الكبرى يعكس انتقال الجزائر من إدارة المشاريع إلى إدارة المنظومات الاقتصادية

كشف الخبير الاقتصادي والبرلماني السابق عبد القادر بريش، في تصريح لصحيفة "الجزائر الآن"، أن تسارع وتيرة تنفيذ المشاريع الرئاسية الكبرى خلال السنوات الأخيرة يعكس تحولاً مهماً في فلسفة إدارة المشاريع الاستراتيجية في الجزائر، يقوم على الانتقال من مرحلة اتخاذ القرار والدراسات إلى التجسيد الفعلي، ثم الدخول في مرحلة الإنتاج وتحقيق الثروة.

وأوضح المحلل الاقتصادي أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بإطلاق المشاريع أو استكمال الدراسات التقنية، وإنما أصبحت تقوم على تحويل القرار السياسي والاقتصادي إلى مشاريع تدخل حيز الإنجاز ضمن آجال محددة.

واعتبر أن هذا التحول يظهر بوضوح في مشاريع غار جبيلات، والفوسفات المدمج، والربط السككي، وتحلية مياه البحر، وتوسيع شبكة النقل نحو الجنوب.

المشروع الناجح ليس هو المشروع الذي ينتهي بناؤه فقط، وإنما المشروع الذي يبدأ بعد إنجازه في إنتاج الثروة.

من إدارة المشاريع إلى إدارة المنظومات الاقتصادية

وقال البرلماني السابق إن الجزائر عرفت لسنوات طويلة مشاريع استراتيجية كانت تستغرق وقتاً طويلاً للانتقال من الدراسات إلى التنفيذ.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت إرادة واضحة لتقليص هذه الفجوة من خلال المتابعة الميدانية، والتنسيق بين القطاعات، وربط المشاريع الأساسية بالمشاريع المرافقة لها.

وضرب بريش مثالاً بمشروع غار جبيلات، الذي لم يعد، حسبه، مجرد مشروع لاستخراج خام الحديد، وإنما أصبح مرتبطاً بمنظومة متكاملة تشمل الاستخراج والمعالجة والنقل بالسكك الحديدية والتحويل الصناعي.

وأشار إلى أن الخط المنجمي الغربي بشار–تندوف–غار جبيلات يمتد على نحو 950 كلم ودخل مرحلة الاستغلال.

وأضاف أن الأمر ذاته ينطبق على مشروع الفوسفات المدمج، الذي شهد في يونيو 2026 اجتماعاً تنسيقياً رفيع المستوى خصص لتسريع إنجازه وضمان دخوله حيز الإنتاج ضمن الآجال المحددة.

ويرى المتحدث أن الجزائر أصبحت بذلك أمام انتقال من إدارة المشاريع إلى إدارة المنظومات الاقتصادية، غير أنه شدد على أن سرعة الإنجاز لا يمكن أن تكون وحدها معياراً للحكم على نجاح أي مشروع.

وقال في هذا السياق إن الاختبار الحقيقي يبدأ عند دخول المشاريع مرحلة الإنتاج، وقياس تكلفة الوحدة المنتجة، ونسبة الإدماج المحلي، وحجم الصادرات، والعائد على الاستثمار، وعدد مناصب العمل المستدامة.

غار جبيلات والفوسفات والسكك الحديدية ضمن مسار اقتصادي متكامل

وفي قراءته للعلاقة بين مشاريع غار جبيلات وبشار والفوسفات المدمج والربط السككي نحو الجنوب، اعتبر بريش أنها تمثل مكونات لمسار اقتصادي واحد، حتى وإن لم تكن مشروعاً واحداً من الناحية التقنية والإدارية.

وأوضح أن القاسم المشترك بينها يتمثل في تغيير طريقة تعامل الجزائر مع مواردها الطبيعية، والابتعاد عن نموذج استخراج الموارد وتسويقها في صورتها الأولية أو شبه الأولية، مقابل بناء سلاسل قيمة تبدأ من المورد الطبيعي وتنتهي بمنتج صناعي قابل للتسويق والتصدير.

وأشار إلى أن غار جبيلات لا يتوقف عند استخراج خام الحديد، بل يشمل المعالجة والنقل وإدخال الخام في الصناعة الوطنية للحديد والصلب.

بينما يقوم نموذج الفوسفات المدمج على استخراج الفوسفات من بلاد الحدبة وإثرائه وتحويله كيميائياً وإنتاج الأسمدة والمنتجات المرتبطة بها.

المنجم وحده لا يصنع صناعة، والمصنع وحده لا يصنع اقتصاداً، والسكة الحديدية وحدها لا تصنع قيمة مضافة.

وبحسب المختص، فإن التحول الأساسي يتمثل في الانتقال من استغلال المورد إلى تثمين المورد، بما يعني توسيع سلسلة الإنتاج، وإنشاء الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية، ومؤسسات المناولة والصيانة، وتطوير المهارات البشرية، ثم الوصول إلى الأسواق الخارجية بمنتجات ذات قيمة أعلى.

السكك الحديدية تتحول إلى بنية تحتية للإنتاج

وفي ما يتعلق بالخط المنجمي الغربي بشار–تندوف–غار جبيلات، أكد بريش أن أهمية المشروع لا تختزل في كونه خطاً للنقل، بل تتمثل وظيفته الاقتصادية الأساسية في إدماج مورد موجود في منطقة نائية ضمن الدورة الصناعية الوطنية.

وأشار إلى أن الخط، بطول نحو 950 كلم، يشكل عاملاً مهماً في خفض تكلفة نقل المواد المنجمية، لافتاً إلى سرعة قطارات البضائع والمواد المنجمية المقدرة بـ80 كلم/ساعة، وقدرة تشغيلية معلنة تصل إلى 24 قطاراً يومياً للمواد المنجمية.

وحدد الخبير الاقتصادي ثلاث وظائف أساسية للسكك الحديدية المنجمية، تتمثل في خفض تكلفة النقل، ورفع القدرة على تسويق الإنتاج، وربط مناطق الإنتاج بمراكز التحويل والموانئ بما يفتح المجال أمام التصدير على نطاق أوسع.

كما أشار إلى أن هذه البنية اللوجستية يمكن أن تستقطب استثمارات جديدة على امتداد مسارها، تشمل المناطق الصناعية ومراكز التخزين والخدمات اللوجستية وورش الصيانة ومؤسسات المناولة.

السكة الحديدية في الجنوب ليست مجرد بنية تحتية للنقل؛ إنها بنية تحتية للإنتاج.

وفي المقابل، شدد على أن تحقيق تنافسية حقيقية في الأسواق الخارجية يتطلب أيضاً رفع كفاءة الموانئ، وتسريع عمليات المناولة، والتحكم في تكلفة الطاقة، وتحسين جودة المنتجات وضمان استقرار الإمدادات.

الفوسفات المدمج يتجه من التخطيط إلى بناء قدرة صناعية وتصديرية

وبخصوص مشروع الفوسفات المدمج، يرى بريش أن التطورات المسجلة تؤشر على دخوله مرحلة جديدة، لاسيما بعد إشراف وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، في 12 أوت 2026، على إبرام عقدين مع شركتين دوليتين، صينية وإيطالية.

وأوضح أن هذه الخطوة تعكس انتقال المشروع من مرحلة التخطيط والمتابعة إلى مرحلة التعاقد على التنفيذ الفعلي لمكونات صناعية.

وشدد على ضرورة أن تتحول الشراكات الدولية إلى وسيلة لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات الجزائرية.

وأشار إلى أن المشروع يستهدف إنتاج نحو 10.5 ملايين طن سنوياً من الفوسفات الخام، مع معالجة كميات منه وتحويلها إلى منتجات مخصبة وأسمدة، إضافة إلى برمجة إطلاق مصنع الحمض الفوسفوري في أواخر 2026 أو بداية 2027، وفق التصريحات الرسمية.

وأكد أن القيمة الاستراتيجية للمشروع لا ترتبط فقط بحجم الإنتاج، وإنما بطبيعة المنتجات التي ستصل إلى الأسواق الخارجية.

وقال إن تصدير الفوسفات الخام يعني بيع مورد طبيعي، بينما تصدير الأسمدة والمنتجات الكيميائية المشتقة منه يعني تصدير صناعة ومعرفة وقيمة مضافة، وهو ما يمكن أن يجعل المشروع إحدى روافع تنويع الصادرات الجزائرية.

وحدد بريش جملة من الشروط لإنجاح هذه الرؤية، أبرزها استكمال السلسلة الصناعية، والتحكم في تكاليف الطاقة والمياه والنقل، ورفع الإدماج المحلي، وتحويل الشراكات الأجنبية إلى شراكات للمعرفة والتكنولوجيا، إلى جانب بناء استراتيجية تجارية طويلة المدى وتطوير ميناء عنابة وربطه بكفاءة بالمنظومة المنجمية والسككية.

تحلية مياه البحر جزء من استراتيجية الأمن المائي

وفي قطاع المياه، اعتبر بريش أن التوسع في مشاريع تحلية مياه البحر لم يعد مجرد استجابة ظرفية لنقص مياه الشرب، وإنما أصبح خياراً استراتيجياً للأمن المائي الجزائري.

وأوضح أن المياه أصبحت مدخلاً أساسياً للتنمية الاقتصادية، بالنظر إلى حاجة قطاعات التعدين والصناعة الكيميائية والصناعات الغذائية والزراعة والمدن الجديدة والسياحة إلى مورد مائي مستقر.

ويرى المتحدث أن التحلية تؤدي وظيفة اقتصادية شبيهة بالبنية التحتية للطاقة، باعتبارها لا تنتج القيمة المضافة مباشرة، لكنها توفر شرطاً أساسياً لإنتاجها.

وفي المقابل، شدد على أن السياسة المائية لا ينبغي أن تعتمد على التحلية وحدها، داعياً إلى بناء ثلاثية تقوم على التحلية، واقتصاد المياه، وإعادة استعمال المياه المعالجة، مع رفع مردودية الشبكات وتقليص ضياع المياه والتحكم في استهلاك الطاقة.

توسيع السكك نحو الجنوب يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية

وبشأن مشاريع توسيع شبكة السكك الحديدية باتجاه تمنراست والجنوب، أكد بريش أن أهميتها تتجاوز تحسين النقل وفك العزلة عن المناطق الجنوبية.

ويرى أن الجزائر تعمل من خلالها على إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، بعدما ظل الجنوب لفترة طويلة يُنظر إليه أساساً من زاوية الثروات الطبيعية والطاقة.

وأوضح أن التحدي الجديد يتمثل في تحويل الجنوب إلى مجال للإنتاج والاستثمار واللوجستيك والتجارة، بما يجعل السكك الحديدية أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الوطنية.

وأشار إلى أن ربط الجنوب بشبكة السكك يمكن أن يخفض تكلفة نقل المعدات والسلع والمنتجات، ويفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة، فضلاً عن إمكانية ربط هذه الشبكة مستقبلاً بالممرات التجارية الإفريقية.

الجزائر لا تحتاج فقط إلى الوصول إلى موارد الجنوب، وإنما تحتاج إلى جعل الجنوب بوابة اقتصادية نحو إفريقيا.

نحو إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية الوطنية

وفي تقييمه الشامل لهذه المشاريع، أكد الخبير الاقتصادي والبرلماني السابق أن الجزائر تقف أمام عملية إعادة تشكيل فعلية للخريطة الاقتصادية والجغرافيا الاقتصادية الوطنية.

وأوضح أن ما يجري اليوم يجمع بين نشاط منجمي وصناعي في الجنوب الغربي، وفوسفات في الشرق، وشبكات سكك حديدية تربط مناطق الإنتاج بمراكز التصنيع والموانئ، وتوسع في تحلية مياه البحر، إلى جانب توجه متزايد لإدماج الجنوب في الدورة الاقتصادية الوطنية والإفريقية.

ويخلص بريش إلى أن نجاح هذا المسار لن يقاس فقط بعدد المشاريع التي تم إطلاقها أو نسبة تقدم الأشغال فيها، وإنما بقدرتها على خلق قيمة مضافة حقيقية، وزيادة الصادرات، وخلق مناصب عمل مستدامة، وتقليص تكاليف الإنتاج، ورفع مستوى الإدماج المحلي.

خاتمة استراتيجية: من إصلاح الاقتصاد إلى إعادة بناء الجغرافيا الاقتصادية

وتكشف قراءة عبد القادر بريش أن الرهان الذي تفرضه المشاريع الكبرى التي أطلقتها الجزائر لا يتعلق بمجرد تسريع وتيرة الإنجاز، وإنما بإعادة بناء النموذج الاقتصادي على أسس أكثر إنتاجية وتكاملاً.

فالإصلاحات التي يقودها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون تتجه، من خلال هذه المشاريع، إلى تجاوز منطق الاستثمار المنفصل والمشاريع القطاعية المعزولة نحو بناء منظومات اقتصادية مترابطة.

يكون فيها المنجم مرتبطاً بالسكك الحديدية، والصناعة مرتبطة بالمواد الأولية، والموانئ مرتبطة بمراكز الإنتاج، والمياه مرتبطة بالتنمية، والجنوب مرتبطاً بالاقتصاد الوطني وبالامتداد الإفريقي.

وبهذا المعنى، فإن التحول الجاري لا يقتصر على تغيير طبيعة المشاريع، بل يمتد إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية للجزائر، وتوسيع مراكز النشاط والإنتاج خارج المراكز التقليدية، وإعادة الاعتبار للجنوب والهضاب العليا والمناطق المنجمية باعتبارها فضاءات للإنتاج والاستثمار والتصدير.

والرهان السياسي والاقتصادي الأبرز في هذه المرحلة هو تحويل الإرادة الرئاسية إلى نتائج قابلة للقياس: إنتاج، قيمة مضافة، صادرات، مناصب عمل، إدماج صناعي، وتنافسية دولية.

وعند بلوغ هذه المرحلة، تصبح المشاريع الكبرى أكثر من مجرد أوراش وطنية؛ إنها أدوات لإعادة صياغة موقع الجزائر في الاقتصاد الإقليمي والإفريقي، وترجمة الإصلاحات التي أطلقها رئيس الجمهورية إلى نموذج تنموي يقوم على تثمين الثروات، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز السيادة الاقتصادية.

أحدث أقدم
💡
هل تواجه مشكلة في قراءة المقال؟ إذا ظهر النص أو الخط بشكل غير واضح، جرّب تغيير الوضع الليلي 🌙 إلى الوضع النهاري ☀️.